بياع الترمس والبيانات الضخمة
ماذا لو قال لك "بياع ترمس" أو "مطيرجي حمام"، أن دخله السنوي مليون دينار كويتي؟ هل تستطيع إثبات صحة ذلك من عدمه؟
تساؤل حقيقي يواجه كل مستثمر محتمل وباحث اقتصادي حول عدم وجود بيانات دقيقة وحينية حول "اي شيء" إلا ربما المواليد والوفيات، ما يجعل اتخاذ القرارات ذات الصلة بالمال والأعمال والاقتصاد نوع من أنواع المقامرة.
فالمستثمر المحتمل يمر بعدة مراحل قبل البت في مشروع ما، بدايةً بتحكيم العقل والاستئناس بالثقات، وانتهاءً بالافتاء والمغامرة، وأحيانا اللجوء إلى الإفتاء الذكي عبر دور الافتاء الاقتصادي المسماة بشركات دراسة الجدوى الاقتصادية التي تقوم بعمل مسوحات إلكترونية Electronic Surveying لدراسة الطلب عبر عينات تمثل شريحة ضئيلة جداً من المجتمع، ودراسة العرض أما من خلال التطفل على مشاريع مشابهة أو من خلال بيانات متقادمة توفرها الجهات المختلفة في الدولة، ثم تفتي شركة دراسة الجدوى برأيها، وعليه إن أراد شخص ما إنشاء مصنع أثاث أو "كشك ترمس" أو إطلاق تطبيق متخصص بتوصيل اللحوم الطازجة، ليس لديه وسيلة حقيقة لقياس إمكانية نجاح المشروع.
أما على صعيد دراسة الاقتصاد الكلي وتفاصيله، فالباحث الاقتصادي يناضل لنمذجة الاقتصاد المحلي أو أحد قطاعاته أو دراسة عناصره، لانتاج أبحاث حينية Timely ذات قيمة مضافة للبلاد، أما بسبب قلة المصادر أو غياب البيانات الحديثة أو سطحيتها Shallow Data أو عدم توفيرها من قبل الجهات القائمة على جمعها لأسباب بيروقراطية أو لا مبالاة قطعية، دون الإشارة إلى جهة بعينها، فإن كانت هنالك، على سبيل المثال، بيانات ضخمة حديثة Big Data لكان تعبئة العقول الاقتصادية أثناء الأزمة الحالية للاتيان بتوصيات طارئة لصناع القرار أكثر سلاسة، دون اللجوء إلى سياسات ترتكز قسراً على اقتصاديات جانب العرض Supply Side Economics، ونماذج استشرافية مبنية على بيانات مقطعية Panel Data عن دول أخرى، لتغطية عجز البيانات المحلي.
علاوة على ذلك، فالسياسات العامة Public Policies المبنية على بيانات وحقائق غالباً ما تكون ذات كلفة سياسية ومالية أقل إن قورنت مع نظيراتها ذات البعد الشعبوي أو الأيدولوجي الصرف، لكون الأرقام لا تكذب ولا تجامل بل تصف الأمور كما هي دون "بهارات" أصحاب المصلحة المباشرة.
فلُب حل أزمة البيانات يتبلور في الاعتراف بأهميتها كأحد ركائز حل التحديات لاسيما الاقتصادية منها، ووضعها ضمن أجندة الحكومة بشكل طارئ، وبالذات فيما أسمته بعض مؤسسات الدولة بالاقتصاد المعرفي، والايعاز لمركز بحثي حكومي Government Think Tank ذو قدرات اقتصادية وتقنية ليبني آليات جمع ونشر البيانات الضخمة بشكل شفاف وتصاعدي.
فلا اقتصاد معرفي دون بيانات ضخمة.