الدولة العميقة من منظور علم الاقتصاد

لو انتجت مسرحية حامي الديار في 2023، لقال أبوفادي (سعد الفرج1) لأبوهاني (خالد النفيسي) في مشهد المقهى أنه آتٍ للتو من "ديوانية الدولة العميقة" وأن الدولة العميقة ستجعل الكويت "إمية طبقات" ليضحك الجمهور ويستكمل المشهد.

هذا المصطلح الذي ينفع ليكون وقود الضحك والنكتة السياسية الكويتية، أصبح جزء من مساحة الجدل السياسي المحلي، دون أي دليل يذكر، وأداة لتحليل السياسة العامة للدولة.

ففكرة الدولة العميقة، وهي نظرية مؤامرة كاملة الدسم يقصد بها وجود شبكة خفية من النخب في شتى المجالات يعملون للحفاظ على الوضع القائم أو العودة لوضع سابق يخدم مصالحهم أو رؤيتهم للدولة.

وكباحث اقتصادي حاولت أن أبحث عن تفسير منطقي لهذه الفكرة فوجدت تطبيق في فرع نظرية اللعبة Game Theory من علم الاقتصاد يسمى الألعاب التكرارية Repeated Games.

لربط فكرة الألعاب التكرارية والدولة العميقة، نفترض وجود شخصين مستقلين، أي أن كل منهم يتخذ قراره بمنأى عن الأخر إلا أن كلاهم على علم بنتائج تلك القرارات قبل اتخاذها. ففي أول جولة قرارات، إن اتخذ الأول قرار والثاني قرار آخر نتائجه سلبية للأول، ففي الجولة التي تليها يتخذ الأول قرار نتائجه سلبية للثاني كنوع من العقاب له. ولأن كلاهما يعرف النتائج مسبقاً يصبح التنسيق الضمني منطقياً دون تواصل بينهم.

وتستخدم هذه النظرية لتفسير العديد من الأحداث في مجالات متعددة، منها تقسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال دون التنسيق المباشر بين الأحزاب المتنافسة، وتقسيم الأسواق بين المحتكرين دون تنسيق لتجنب كسر قانون منع التواطؤ.

وفي حالة الكويت، من الممكن تفسير اتساق بعض القرارات في هذا السياق بوجود شبكة علاقات مصلحية تعمل بلا مركزية، وهي ليست مؤامرة، بل سلوك منطقي لمجموعة تعمل للحفاظ على مصالحها أي كانت.

شخصياً، أرى أن أدعاء وجود دولة عميقة غير صحيح، لعدة أسباب أهمها أن وجودها يزيد من إنتاجية المسؤولين والمؤسسات المختلفة واتساق قراراتهم لكون الدولة العميقة كمفهوم يتقارب مع الحزب الحاكم في الديمقراطيات المتقدمة، ثم أن فريق كل مسؤول رفيع المستوى يتغير بتغيره إلا ما ندر، وهذا أيضاً يسحب على السياسات العامة التي تتغير بتغير الأشخاص بشكل مضر للعمل الحكومي، إلا أني أتفهم من يرى من غير المنخرطين في العمل السياسي في الدولة العميقة تفسير لمجريات الأحداث لاسيما في غياب الشفافية واتساع مساحة المجهول وتصدر حسابات وهمية نشر ما يدور خلف الأبواب المغلقة.

أن حديث النخبة السياسية في هذا المنطق مضر لمصالح الدولة ويدخل كافة القرارات في دائرة نظرية المؤامرة عوضاً عن اتساق المصالح، ووجب تجنب هذا النوع من الطرح في الانتخابات القادمة.

  1. 1ممثل كويتي مشهور.